أخبار وطنية ديمقراطية الواجهة... بقلم سامي بن سلامة
نشر في 01 أكتوبر 2018 (22:30)
بقلم سامي بن سلامة -العضو السابق في الهيئة العليا المستقلة للانتخابات
من المثير للاهتمام أن تونس الدولة العربية الوحيدة السائرة في طريق الديمقراطية، لم تشهد إنشاء محكمتها الدستورية إلى حد اليوم وذلك رغم اتخاذ حكامها الفعليين منذ سنة 2012 جميع التدابير الضرورية لكي لا تشبه وإن تم انشاؤها واستكمال تركيبتها بقية المحاكم والمجالس الدستورية في العالم الديمقراطي.
فمن الواضح تماما أنها لن تكون مطابقة للمحاكم الدستورية في النظم الديمقراطية لا من حيث التركيبة ولا من حيث الصلاحيات. إذ أن تركيبتها ستكون مرتكزة على أساس محاصصة حزبية شبه معلنة وفق المنطق الذي سارت عليه الأمور إلى حد اليوم في جميع الهيئات ”المستقلة“.
وهو منطق يزعم الحياد والإستقلالية ولكنه يضع قوانين فاسدة ويتلاعب بها لينتهي إلى نظريات من قبيل ”المستقلين نظريا التابعين لأحزاب فعليا“. لن تتمتع المحكمة الدستورية بعد إنشائها بصلاحيات كبيرة، بعد وضع حواجز كثيرة تفصل بينها وبين المواطنين وبينها وبين النظر فعليا في دستورية جميع القوانين.
رغم ذلك لا يريدون إنشاءها ويضعون العراقيل أمام استكمال تركيبتها. تخيلوا لو كانت لدينا محكمة دستورية حقيقية وسمح لها بالنظر في مدى دستورية قوانين أصدرت في عهد الترويكا أو بعدها. ستقضى حينها على الأرجح بعدم دستورية عديد القوانين وهو ما كان سيمثل مشكلا عويصا على الحلّ من المحتمل أن تنجر عنه أزمة خانقة لكامل منظومة الحكم.
ومن بين القوانين المهمة إذ تمثل حجر الزاوية في مسار الإنتقال الديمقراطي، القانون الصدر عن المجلس الوطني التأسيسي والذي أحدث الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الثانية لتعويض الهيئة المستقلة الأولى والتي لم تكن تناسب الترويكا الحاكمة آنذاك وهو القانون الأساسي عدد 23 لسنة 2012 المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للإنتخابات.
كانت المحكمة الدستورية ستقضي على الأرجح بعدم دستورية عديد الفصول من القانون الأساسي عدد 23 لسنة 2012 المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للإنتخابات لتعارضها مع دستور 2014 ومع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومع المبادئ العامة للقانون والأمثلة عديدة كنا تطرقنا لها بالتفصيل في مقالات سابقة. وكانت المحكمة الدستورية ستجبر على التصريح بعدم دستورية كامل ذلك القانون بجميع فصوله لصدوره عن سلطة غير مختصة فاقدة للشرعية لتجاوزها المدة القانونية المحددة لها بأمر دعوة الناخبين.
إذ نص الفصل 6 من الأمر عدد 1086 لسنة 2011 مؤرخ في 3 أوت 2011 يتعلق بدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي والذي أجرت الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات الأولى بمقتضاه وبمقتضى غيره من القوانين انتخابات 23 أكتوبر 2011 على أنه: ”يجتمع المجلس الوطني التأسيسي بعد تصريح الهيئة المركزية للهيئة العليا المستقلة للانتخابات بالنتائج النهائية للاقتراع و يتولى إعداد دستور للبلاد في أجل أقصاه سنة من تاريخ انتخابه“.
فبناء على ذلك النص، أصبح المجلس الوطني التأسيسي ومنذ يوم 24 أكتوبر 2011 مجلسا فاقدا للشرعية القانونية وأضحت جميع الأعمال الصادرة عنه باطلة، إذ لم يواصل أعماله حينها إلا بناء على شرعية ”توافقية“ ملفقة. وكانت المحكمة الدستورية ستؤيد الأمر. وحتى إن قضت المحكمة الدستورية وفق نظرية "الموظف الفعلي" أي أقرت الأمر الواقع، فإن قانون هيئة الانتخابات كان سيعتبر باطلا مهما كان من أمر لمخالفة بعض فصوله لدستور سنة 2014 وللمبادئ العامة للقانون.
كان سينجر عن ذلك بطلان جميع أعمال هيئة الانتخابات التي تشكلت فعليا يوم 08 جانفي 2014 ومن ضمنها أعمال تسجيل الناخبين وكذلك انتخابات 2014 وانتخابات 2017 وجميع الإنتخابات اللاحقة.
وبقطع النظر عن المعطى الدستوري ونظرا للخروقات الكبيرة التي ارتكبها مجلس هيئة الإنتخابات لقانون الهيئة وللقانون الإنتخابي ونظرا للإشكاليات القانونية التي تعلقت بتركيبته التي كانت في بعض الأحيان باطلة خاصة عند ارتكاب خروقات كبيرة في قرعة التجديد الثلثي الأولى، فإن محكمة دستورية حقيقية كانت لتقضي بعدم دستورية تلك التركيبة وببطلان جميع الأعمال الصادرة عنها.
الأمر مماثل بالنسبة للهيئات الأخرى فلا فرق. لا يريدون محكمة دستورية حقيقية، فاستبقوا الأمر وقلموا أظافرها. وهم لا يريدون محكمة دستورية تعري الخروقات القانونية الكبيرة في جميع المجالات والتي ترتكبها مؤسسات الدولة.
لن أصل إلى حد القول بأن محكمة دستورية كانت لتقضي بعدم شرعية جميع المؤسسات المنتخبة الحالية وبأننا نعيش مسرحية هزلية تحت ستار ديمقراطية لطالما تمنيناها وعملنا من أجل تكريسها وخرجوا بها عن مسارها بعد انتهاء المرحلة الإنتقالية الأولى وتسلمهم السلطة. فذلك سيناريو كارثي ينذر بمخاطر كبيرة على السلم والإستقرار الأهليين.
هم يعلمون أن لا ديمقراطية حقيقية بدون احترام الدستور والقوانين وأن عدم احترام الدستور والقوانين يجعل منهم حكاما غير شرعيين ويجعل من الديمقراطية مجرد واجهة لسلطة لا تتمتع بالمشروعية. هم يعلمون ولذلك ربما لا يلائمهم إنشاء محكمة دستورية الآن مهما كانت محدودة المجال والصلاحيات ومهما كانت درجة اختراقهم لها.